قوانين المنافسة ووضعها في المحك

Enjoy

قامت دول الخليج العربية باصدار بعض القوانين الخاصة بغرض تشجيع وتفعيل المنافسة الشريفة في التجارة ومنع الاحتكار بكل أشكاله. وإصدار قوانين المنافسة في حد ذاته يعتبر تطورا ملحوظا في المنطقة من أجل دفع التجارة الحرة وتهيئة المناخ الصحيح لانتعاش التجارة والاستثمارات الأجنبية وتنميتها في شتى المجالات. وهذا الوضع المتميز بدوره سيفتح شهية التجار المحليين والأجانب للعمل تحت غطاء المنافسة القانونية الشريفة و“اللعب القانوني“ السليم، ولكل مجتهد نصيب في الفوز. ولكننا نلاحظ وجود بعض الأمور التي لا بد من أخذها في الحسبان حتى يتحقق المراد واصابة هدف هذه المنافسة الشريفة. وأيضا، حتى تزدهر التجارة الحرة في ظل „المنافسة التنافسية الشريفة“ بعيدا عن الممارسات الضارة التي أشارت لها قوانين المنافسة وحظرتها بل وسنت سيف العقوبات على مرتكبيها. مع ملاحظة أن العقوبات تكون في بعض الحالات كبيرة جدا بحيث تتجاوز الغرامات الملايين، إضافة إلى العقوبات الجزائية القاسية. والممارسات التي تؤثر على المنافسة الشريفة كثيرة، ولكن بعض الشركات تبدع في التأثير على المنافسة عبر إخفاء السلع والخدمات أو وضع قيود عليهما أو نقل معلومات غير حقيقية عن الشركات الأخرى المنافسة أو إيقاف التعامل معهم دون مبرر أو إيقاف الإنتاج للتأثير على الطلب أو تخفيض الأسعار بأقل من التكلفة لإغراق السوق والإضرار بالمنافسين… وهكذا، يصبح اللعب «خشنا» وغير نظيف في ملعب التجارة. وأحيانا، يكون اللعب مخالفا تماما للقانون لأن بعض الشركات من أجل الحصول على العمل تقوم بتقديم الرشاوى وغيرها من الممارسات الفاسدة غير الشريفة.

Asia 728x90

من الناحية المبدئية وتحقيقا لأسس العدالة الطبيعية، نقول، لا بد من أن يتم فرض وتطبيق قوانين المنافسة على جميع من يعمل في التجارة، أي نوع من أنواع التجارة، ومن هذا يجب المساواة بين الجميع بدون فرز وإلا يعتبر القانون كأن لم يكن وعديم الفائدة وربما لن يتمكن من تحقيق الهدف المنشود. من أهم الحالات التي نرى فيها عدم المساواة في تطبيق قانون المنافسة ما يتم حيال شركات «القطاع العام» أي الشركات الحكومية، أو تلك التي تملك فيها الحكومة نسبة تملك عالية، والتي تم تأسيسها خصيصا لتعمل في التجارة وفق الأحكام والوسائل التجارية. هذه الشركات في واقع الأمر لا يطبق عليها قانون المنافسة كما يطبق على شركات القطاع الخاص. وهنا مربط الفرس لأن شركات القطاع العام الحكومية تعمل كما تشاء ووفق ما تشاء وأينما تشاء، ومن هذه المعاملة التفضيلية تنتهي العدالة لأن بعض الشركات لديها تمييز وحماية بل وحصانة تامة في وجه القانون. وهذا الوضع الخاص يكسر مبدأ المنافسة الشريفة ويهدمه لأن النظام المتبع يعطي الشركات الحكومية حرية العمل بدون حدود أو فواصل، وليعمل منافسها ما يشاء من أجل البقاء على قيد الحياة أو ليترك المجال إذا ليس في مقدوره مواجهة الشركات ذات „الحصانة الرسمية“ واللباس الحكومي. والأمثلة كثيرة أمامنا في كل مكان ولا تحتاج للحصر، ولذا نرى الكثير من شركات القطاع الحكومي تتحدث عن الأرباح وعن الانجازات والسيطرة الكاملة على السوق وغير هذا من الادعاءات الترويجية اليومية. ولكل هذا وغيره نجد الشركات الحكومية في ساحة الميدان دون منافس لأن المنافسة الشريفة غير متوفرة وتظل بعض أحكام قوانين المنافسة محجوبة بل غير قابلة للتطبيق. وإذا كان هذا هو نتيجة الوضع التمييزي، فلماذا في الأساس تم إصدار قوانين المنافسة وتم إنشاء مجالس لإدارتها ومفتشين لمتابعة تنفيذها ومحاكم لمعاقبة مخالفيها… وهلم جرا.

إن العدالة تقتضي المساواة في تطبيق القانون وتحقيق العدالة في التطبيق، وكل هذا مطلوب من أجل أن تكون قوانين المنافسة فاعلة ومفيدة لحماية التجارة والتجار. ان تحقيق المساواة لا بد منه بين كل الشركات ومهما كان ملاكها سواء كانوا من القطاع العام أو الخاص. ويجب أن يتم تطبيق القانون على الجميع، وبهذا يتم توفير المنافسة الشريفة للجميع وفي ظلها فليتنافس المتنافسون. ولذا لا بد من مراجعة «الحصانة» الممنوحة لشركات القطاع الحكومي وإلزامها بممارسة أعمالها التجارية وفق الأسس الموضوعة لتحقيق المنافسة الشريفة وهذا بدوره سيحقق منع احتكار الشركات الحكومية للتجارة ويفتح الباب أمام كل المجتهدين والمبدعين من التجار في القطاع الخاص، وهم كثر ويمتهنون التجارة «الحقيقية» لكسب العيش الشريف لهم ولأسرهم وأطفالهم، وهم على استعداد للمنافسة بشرط أن تكون شريفة ووفق أصول اللعب ويشرف عليها «حكم» نزيه يعرف قوانين اللعبة.

النقطة الثانية تتعلق بسياسة اندماج بعض الشركات مع بعضها، واندماج الشركات في حد ذاته قد يكون مفيدا لأنه يمنح الشركة الجديدة المزيد من رأس المال والقوة والتجربة والدماء الجديدة مما يمكنها من تقديم الأعمال والخدمات بصورة أفضل للمستهلك وللجميع. ولكن من مكمن هذه القوة قد تأتي ممارسات تضر بالمنافسة الشريفة. فهل نسمح باندماج الشركات في كل الحالات؟ بالتأكيد من الاندماجات الكبيرة ومن ايجاد الكيانات الاقتصادية الضخمة هناك بعض المؤثرات السلبية التي قد تضر بالمنافسة الشريفة لأن المنافسة في أصلها ستنعدم تماما بين العملاق والقزم. وهذه طبيعة الحياة شئنا أم أبينا، ولذا لا بد من إعادة مراجعة الفقرات الخاصة باندماج الشركات في قوانين المنافسة والعمل على تفصيلها بمهارة وبحيث لا يؤثر قيام الاندماج على المنافسة الاعتيادية الشريفة بين الشركات ويقود لخلق نوع من الاحتكار الضار بواسطة كيانات اقتصادية ضخمة تغطي كل المكان بجسمها. ولهذا نلاحظ معارك قانونية حامية الوطيس خاصة بين أمريكا من جهة وأوروبا من الجهة الأخرى حيث امتنعت الجهات الرسمية في العديد من هذه الدول من الموافقة على بعض الاندماجات، وهم يستندون في هذا على أن الاندماج سيخلق «بعبعا» كبيرا في السوق لا يستطيع آخر العمل معه ناهيك عن منافسته يدا بيد وقدما بقدم وخطوة بخطوة. وكما نعلم، ان الحالات التي تم فيها رفض الاندماج كثيرة وتشمل شركات الطيران والبنوك وشركات الاستثمار والعقار والاتصالات… والقائمة تطول. وهنا تبرز أهمية دور الجهات الرقابية الإشرافية التي تضع نصب أعينها مصلحة المستهلك والتجارة الحرة قبل مصلحة الشركات الجشعة التي تبلع كل من حولها وتعدمه من الوجود. ونقول، إن توجيه الاندماجات والتكتلات يحتاج إلى بوصلة مراقبة ذات مهنية نزيهة وفاعلة، وعلينا وضع ضمانات في قوانين المنافسة بحيث تتم الموازنة بين مصلحة التجارة من جهة ومن الجهة الأخرى مصلحة الشركات التجارية وأصحابها من ذوي الجيوب الكبيرة التي لا تشبع ولا ترتوي مهما ابتلعت أو شربت.

وبالنسبة للعقوبات الواردة في قوانين المنافسة في المنطقة نلاحظ أن الغرامات ثابتة (استاتك) بالرغم من أن الضرر الذي   يحدث ليس بالضرورة أن يكون ثابتا. ومن الأفضل أن تتماشى العقوبة مع الضرر الذي حدث فعليا بسبب عدم الالتزام بقوانين وأخلاقيات المنافسة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار حجم الشركة وحجم المبالغ والتعامل الذي قامت به مخالفة لقانون المنافسة واللوائح… وهنا، هل يتم منح الغريم المتضرر أي جزء من الغرامة التي تم تحصيلها كتعويض له (لهم)، ولو بصفة شكلية، أم تذهب كل الغرامة للخزينة العامة؟ وهل نركز على الغرامات المالية أو العقوبات الإدارية كتقديم الإنذارات أو سحب التراخيص، وربما يكون من الأفضل دراسة هذه النقطة مع الاستفادة من التجارب العالمية وهي متنوعة وثرية ولكل حالة لبوسها.

من الممارسات الجميلة التي نلاحظها في بعض الدول، أن بعض الشركات الكبيرة تقوم بوضع لائحة «كود شرف» للممارسات القانونية الشريفة التي تلتزم بها الشركة كالتزام أخلاقي وقانوني ومجتمعي. وهذا تطور محمود يسعى لوضع البدائل المؤسسية للالتزام بالمنافسة الشريفة والنزاهة والأمانة في جميع الممارسات وفي كل الأوقات. أنظر مثلا، أهداف وقيم شركة „سوني“ التي تقول „أملا العالم بالعاطفة عبر قوة الابداع والتقنية“ مع العمل لصالح المجتمع والمنافسة بشرف وأمانة في كل الأوقات والظروف. وهناك أمثلة أخرى عديدة شرقا وغربا. ونتطلع إلى أن تحذو شركاتنا هذا الحذو وأن تقوم بإصدار مثل هذه اللوائح المتضمنة للأهداف والقيم والاسترشاد بها في أعمالها، وقطعا في نهاية الأمر ستستفيد الشركات من هذه التوجهات النبيلة المتصاعدة في عالم التجارة والاستثمارات، لأن العالم يشعر ويحس بمن يقدم له الحقيقة بنية صادقة.

نرى أخذ هذه النقاط وغيرها من واقع التجارب المعاشة في الاعتبار والنظر في كيفية الاستفادة منها أو تنقيحها من أجل منح المزيد من التفعيل والتفاعل لقوانين المنافسة، وذلك بغرض تطويرها لتحقيق النزاهة والنبل في التعامل لتشجيع التجارة الحرة الشريفة ومنع الاحتكار والجشع وحماية الاستثمارات والمستهلك والمجتمع والاقتصاد الوطني والتجارة الدولية، ولنحقق هذا الأمل النبيل.

المستشار د. عبد القادر ورسمه غالب

المؤسس والمدير التنفيذي

ع \ د. عبد القادر ورسمه للاستشارات ذ.م.م البحرين \ دبي

Print Friendly, PDF & Email