اجراءات التحكيم والتنازل عن الحقوق

Enjoy

هناك مسئوليات كثيرة ملقاة علي عاتق المحكم أو هيئة التحكيم أثناء ادارتهم للتحكيم ويجب في جميع الأحوال التنبيه الي أن أطراف النزاع المعروض أمامه\هم قد لا يكونون مستوعبون تماما لحقيقة التحكيم وكنه التحكيم والاجراءات المرتبطة به طيلة فترة التحكيم حتي صدور القرار النهائي بخصوص النزاع.

Asia 728x90

ما دعانا لهذا القول أننا لا حظنا أن بعض أطراف النزاع، أو ممثليهم، لا يعرفون أو قد لا يفهمون أن التحكيم وكمنهج فانه يسير وفق قوانين ونظم وضوابط اجرائية وبصورة قد تكون مشابهة تقريبا أو لحد ما لسير الاجراءات أمام المحاكم القضائية العادية. ولهذا، لا بد من لفت نظر الأطراف المتنازعة الي أنهم أمام جهة تعتبر في مقام محكمة خاصة „التحكيم قضاء خاص“، ومنوط بها أن تنظر في تحقيق العدالة وهي تستمد قوتها أساسا من التفويض الذي منحه لها الأطراف وفق رغبتهم وارادتهم الحرة عند اختيارهم اللجوء للتحكيم كبديل لتسوية النزاع  الذي طرأ في ما بينهم.

لقد لاحظنا من واقع بعض القضايا أن الأطراف يتغيبون عن الجلسات دون تكليف أنفسهم اخطار هيئة التحكيم أو السكرتارية، وبعضهم قد لا يفهم أن الغياب قد يضر بقضيته لأن الاجراءات قد تستمر في غيابه وتأتي بنتائج ضد مصالحه. وأذكر جيدا في احدي القضايا قال أحد الأطراف هل من الضروري حضوري  والمثول أمامكم تماما كما في المحاكم بالرغم من أننا قمنا بتعيينكم؟ … هذا مثال من حالات كثيرة.

ما يهمنا التركيز عليه أن علي المحكم أو هيئة التحكيم، وخاصة في الدول التي ما زالت ثقافة التحكيم فيها يانعة وفي مراحلها الأولية، لفت نظر الأطراف بصفة عامة الي بذل جهدهم وعنايتهم لتوضيح وطرح كل قضيتهم أمام التحكيم. وذلك بداية من عريضة الدعوي „المطالبة“ التي يجب أن تتضمن كل ما يرونه من ضمن حقوقهم، وذلك لأن عدم ذكرهم لأي حق من حقوقهم في عريضة دعوى التحكيم يعتبر „تنازل“ عن هذا الحق. والتنازل، أمر جائز في الحقوق والمطالبات المدنية. وكذلك نفس الأمر ينطبق علي عريضة الدفاع أو الدعوى المقابلة التي يتقدم بها المحتكم ضده „المدعي عليه“، فيجب عليه التطرق لكل ما أثير في عريضة الدعوى وعليه كذلك تضمين كل الحقوق التي يراها في الدعوى المقابلة  „اذا كانت هناك رغبة في اقامة دعوى مقابلة“ والا فان السهو عن أي حق يعتبر بمثابة  „تنازل“ عن هذا الحق.  

والأمر أكثر من هذا في حالة عدم اثارة أي اعتراض علي اختصاص المحكم أو هيئة التحكيم عند بداية اجراءات التحكيم، بالرغم من احتمال وجود عدم الاختصاص لأي سبب كان، يعتبر تنازلا عن هذا الحق القانوني وعليه لا يمكن طرح موضوع الاختصاص لاحقا أي بعد صدور الحكم أو مقاربة الوصول اليه، لأن عدم طرح الموضوع  في الوقت المحدد يعتبر تنازلا عن هذا الحق وهو حق هام وله أثر كبير في النتيجة النهائية. وهذه نقطة قانونية يجب الاهتمم بها في حينها والا فهناك تقصير أو قد نقول تنازل.

أيضا اذا خالف المحكم أو هيئة التحكيم „شروط التحكيم“ المتفق عليها أو خالف نظام التحكيم التابع لمركز التحكيم أو قانون التحكيم .. مثلا، تطبيق قانون مخالف غير القانون المحدد للتطبيق أو اختيار مكان مخالف أو لغة مخالفة أو أي مخالفة أخري لمهمة التحكيم أو للنظام، فان عدم الاعتراض على ما تم وفي حينه يعتبر „تنازل“ عن الحق. وعليه، لا يجوز لاحقا الانتباه من هذه „الغفوة“ والمطالبة بالحق لأن ما بدر عنه من سكوت سابق يعتبر تنازلا عن الحق، وكان عليه هو شخصيا التمسك بهذا الحق والاصرار علي تنفيذه والا فانه يعتبر قد أسقط هذا الحق وتنازل عنه. بالطبع، بعض هذه النقاط يجوز فيها الطعن بالنقض لقرار التحكيم، ولكن هذا اجراء آخر… لماذا ننتظره ونتجاوز الاجراء في حينه.  

هذه المسائل وبالرغم من أهميتها الا اننا لاحظنا أن بعض أطراف النزاع، أو ممثليهم، غير ملمين بتفاصيلها ولا يعلمون بمدي العواقب الوخيمة التي قد تترتب علي تصرفاتهم حيالها، والتي قد تتم في أغلب الأحوال بسبب „الجهل“ النوعي وغالبا بحسن نية ومن دون قصد أو علم. لاحظت، أن بعض هيئات التحكيم الحصيفة تتناول طرح هذه الأمور بصفة عامة في أول جلسة حيث تتم الاشارة الي الحرص في ضرورة التعامل الحريص والجاد مع التحكيم وعدم التفريط في الحقوق القانونية العامة أو الخاصة، والا فان كل حق لا يثار سيتم صرف النظر عنه لأن صاحبه أسقطه وتنازل عنه. وهذا ايضا، هو الاجراء المتبع أمام المحاكم المدنية حيث يعتبر „تنازل“ من صاحب الحق. ولإزالة الجهالة، نري أنه من الأفضل تضمين فقرة خاصة في أنظمة كل مراكز التحكيم تتناول هذا الموضوع لأهميته، ومن المفيد أن يتم التوضيح في اطار عام لجميع أطراف التحكيم مع التركيز علي أن عدم التمسك باي حق أو اجراء مرتبط بالتحكيم يعتبر „تنازل“ عن هذه الحق ولا يحق الرجوع له لاحقا لأن ما بدر عنه من تصرف يدل علي „التنازل“ عن هذا الحق أو الاجراء. زحقيقة هناك أمثلة كثيرة تحتاج منا للتثقيف بدور التحكيم وأهميته في تحقيق العدالة الناجزة.

هذا وربما تضيع حقوق قانونية أو مادية بسبب أمور اجرائية بسيطة، أمام المحاكم أو التحكيم، ولكن اتباع الاجراءات السليمة وفي وقتها يعتبر أمر هام وواجب التنفيذ في حق الجميع، وطبعا، الجهل ليس بعذر. وما زال طريق التحكيم أمامنا طويلا، وحتي نتمكن من عبور هذا الطريق بسلام وأمان تام علينا الالمام بحقوقنا والحرص التام علي توضيحها، للمحكم أو هيئة التحكيم، في حينها ولحظتها. وتثبيت صناعة التحكيم وتطويرها في منطقتنا في حاجة للصبر ولكن على كل طرف القيام بدوره خير قيام حتى تكتمل الحلقة ويتحقق ما نصبو اليه.

المستشار د. عبد القادر ورسمه غالب

ع \ د. عبد القادر ورسمه للاستشارات ذ.م.م

البحرين \ دبي

Print Friendly, PDF & Email