الخميس 11 يناير 2018 جريدة عمان الحياد والتحكيم

ADVERTISEMENT Global Offer 728x90
د. عبد القادر ورسمه غالب

ان الرغبة في اللجوء للتحكيم لحسم المنازعات التجارية تعود في أصلها لأطراف النزاع، خاصة وأن التحكيم “ارادة الأطراف” الطوعية حيث يقومون باختيار اللجوء للتحكيم دون غيره من البدائل الأخرى لتسوية النزاع بما في ذلك المحاكم القضائية. وهذه الرغبة يحميها النظام والقوانين التي تمنح التحكيم كل القوة الضرورية واللازمة لنفاذ وتنفيذ قرار التحكيم النهائي. ولكن، هناك شروط أساسية يجب أن تتوفر حتي يصبح التحكيم نافذا بقوة القانون ويتم تنفيذه وفق المتطلبات السارية.

Asia 728x90

ان هيئة التحكيم، أو المحكم الفرد، وأعمالها الاجرائية ومدة عملها وكيفية القيام باختيارها وكيفية عزلها ومستحقاتها… كل هذه النقاط تحددها الأنظمة والقوانين في أحكام الزامية واضحة. وعلي الهيئة، أو المحكم الفرد، الالتزام بهذه الأحكام طيلة فترة عملها حتي صدور القرار النهائي وتسليمه للتنفيذ. وبالطبع، فان كل هذه الأحكام يجب مراعاتها، حتي يتمكن “التحكيم” من القيام بدوره المنشود في تحقيق العدالة الناجزة التي يتطلع لها أطراف النزاع ويعيشها ويستفيد منها كل المجتمع.

ومن أهم الأحكام الالزامية الخاصة بالتحكيم، ضرورة توفر الحياد “نيوترلاتي” التام من المحكم الفرد أو أعضاء هيئة التحكيم وعدم وجود أي علاقة أو رابط أو تواصل بين المحكم أو أعضاء هيئة التحكيم من جهة وأطراف النزاع أو موضوع النزاع أو غير ذلك من الجهة الأخرى. ووفق هذه القاعدة الأصولية الجوهرية فان “الحياد” أي حياد المحكم أو أعضاء هيئة التحكيم أمر الزامي يجب الحرص علي توفره التام وبصورة مطلقة ونهائية وكاملة وفوق كل الشبهات.

ان توفر “حياد” المحكم الفرد أو أعضاء هيئة التحكيم وعدم وجود أي علاقة مع أطراف وموضوع النزاع أو بأية علاقة أخري، أمر هام جدا لأنه يضمن عدم تأثر المحكم أو أعضاء هيئة التحكيم بهذه “العلاقة” أو “الرابطة” التي قد تؤثر أو تلقي بظلالها علي أو في قرارات أو القرار النهائي “أورد” للمحكم أو لهيئة التحكيم خاصة المنهي للخصومة. والبشر يتأثرون، سلبا أو ايجابا، بهذه العلاقات مهما كانت درجتها. ولذا يجب ألا تكون موجودة البتة وبأي صفة كانت، حتي يتوفر “الحياد” المطلق الذي تنص عليه الأنظمة والقوانين وكل قواعد العدالة الطبيعية.

من هذا الواقع والقانون، فان عدم توفر “حياد” المحكم الفرد أو أعضاء هيئة التحكيم أو أحدهم يؤدي الي “نسف” كل ما قامت به المحكم أو هيئة التحكيم من أعمال لأن عدم توفر “الحياد” المطلق التام، ولأي درجة، يقود الطرف المتضرر للتقدم بالطعن لنقض حكم التحكيم. واذا ثبت عدم توفر حياد المحكم الفرد أو أي عضو من هيئة التحكيم، فان المحكمة المختصة ستقضي ببطلان حكم التحكيم. وفي هذا “نسف” للتحكيم الذي تم، وفي هذا أيضا اهدار للوقت والمال وعدم احترام العدالة بل اعاقتها وامتهانها.

وعلي الجميع أن يدرك منذ البداية، أن الطرف المتضرر سيبحث عن كل “قشة” لقصم ظهر البعير، أي التحكيم في هذه الحالة، وهذا أمر طبيعي واجراء تلقائي قد يتم ويجب توقعه في كل الأوقات والأوضاع. ولتبرأ العدالة من كل هذا، يجب توفر الحياد، بل والعمل علي توفره بالتمام والكمال..

كمبدأ عام، فان الاعلان عن “الحياد” يعتبر من المسؤوليات المباشرة والشخصية لكل محكم فرد أو عضو من أعضاء هيئة التحكيم. وهذا الاعلان يتم في أول مرحلة اختيار المحكم أو أعضاء هيئة التحكيم، حيث يطلب ممن يتم اختياره ليصبح محكما أو عضوا في هيئة التحكيم وعند افادته بالاختيار للتحكيم، الاعلان عن عدم وجود أي علاقة ما مع أطراف النزاع أو القضية موضوع النزاع أمام التحكيم أو غير هذا من الأمور ذات العلاقة. وفي هذه المرحلة الأولية، يجب علي هذا العضو تأكيد عدم وجود أي علاقة مهما كانت مما يؤكد حياده التام.

وأيضا في نفس الوقت، علي المحكم أو عضو الهيئة الافصاح اذا كانت هناك أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة بأطراف النزاع أو القضية ومهما كانت درجتها، وهنا، علي أطراف النزاع تقرير السماح له بالمشاركة في التحكيم أو العكس بعدم السماح له وذلك وفق ما يرونه لتحقيق مصالحهم وتحقيق العدالة. والأمر هنا يعود لكل حالة علي حدة، وعلي حسب الظروف المعلن عنها وحسب ظروف الأطراف والقضية.

هنا، وفي هذه اللحظات، يجب علي المحكم المختار أو عضو الهيئة أن يكون أمينا مع نفسه ومع الآخرين. وهذه الأمانة تتطلب منه الافصاح التام وعدم التستر أو الخداع أو التمويه، بل يجب عليه توضيح أي نوع من العلاقة ومهما كانت، والا سقطت عنه صفة “الحياد” وعليه تحمل النتائج المترتبة علي هذا التصرف غير السليم والبعيد عن المصداقية المهنية والشخصية.

ولا بد من التوضيح، أن المحكم أو عضو الهيئة ربما يتبين له عدم توفر الحياد لأي سبب أو مستجدات وذلك في أي لحظة في أثناء سير التحكيم، وفي مثل هذه الحالات عليه الافصاح الفوري عن هذا الوضع لهيئة التحكيم وأطراف النزاع وللدرجة التي تمكنهم من اتخاذ القرار المناسب بخصوص استمراره من عدمه. والأمر يعود لهم وحدهم، وعلي هذا المحكم أو عضو الهيئة الانصياع لقرارهم في حينه.

ان اللجوء للتحكيم، كبديل لتسوية المنازعات، يتطلب قمة النزاهة وكامل الأمانة من الجميع وعلي رأسهم المحكم الفرد أو هيئة التحكيم لأنهم مربط الفرس. واذا تأثر هذا المربط سينتهي التحكيم وينقطع من أصله ويصبح عديم الفائدة وكأن لم يكن. وعلي المحكم الفرد أو أعضاء هيئة التحكيم تحمل المسؤولية التامة ونكران الذات خاصة في ما يتعلق بالحياد. ومن الناحية القانونية، فان الطرف الذي تسبب في اعاقة التحكيم وتقديم معلومات مضللة أو غير صحيحة عليه تحمل النتائج القانونية والمهنية والمجتمعية… الخ. ولا عذر لمن أنذر.

 

د. عبد القادر ورسمه غالب

الخبير والمستشار القانوني

ع \ د. عبد القادر ورسمه للاستشارات

المنطقة الدبلوماسية – برج الدبلومات

الطابق 4 – شقة 45